إشبيلية من المدن التي تكشف عن نفسها ببطء. في البداية يلفت انتباهك ضوء الشمس وأشجار البرتقال والساحات المكسوة بالبلاط وحيوية المطاعم. ثم، حين تنظر بتأنٍ أكبر، تبدأ طبقة أخرى من المدينة في الظهور: أقواس مألوفة، وزخارف هندسية من الآجر، وتفاصيل مستوحاة من الفن العربي، وأبراج دفاعية قديمة، وحدائق تقوم على الماء والظل. وبالنسبة إلى المسافر المسلم، تكون هذه الطبقة الثانية من إشبيلية غالباً الأكثر إثارة، لأن تحت إشبيلية الحديثة ما زالت قصة إشبيلية الأندلسية حاضرة، وهي إحدى كبريات مدن الأندلس.
حكم المسلمون إشبيلية أكثر من خمسة قرون، وازدادت أهميتها بصفة خاصة في عهد الموحدين خلال القرنين الثاني عشر والثالث عشر. وما زال أثرهم واضحاً في أشهر معالم المدينة، ومنها الخيرالدا وأجزاء من قصر الألكاثار والأسوار القديمة وبرج الذهب. وما يجعل استكشاف إشبيلية الإسلامية ممتعاً هو أن تاريخها لا يوجد داخل أثر واحد محفوظ بصورة كاملة، بل يظهر في طبقات متراكبة. تحولت مئذنة إلى برج أجراس، وأصبح فناء مسجد جزءاً من كاتدرائية، ثم أعاد الملوك المسيحيون استخدام القصور الإسلامية وتطويرها.
لذلك فإن السير في إشبيلية يشبه جمع قطع أحجية تاريخية أكثر من كونه زيارة لمتحف مغلق. يمكن القيام بهذا المسار بسهولة سيراً على الأقدام، وهو يمر عبر قلب المدينة القديمة. وإذا كنت تحب التاريخ والتصوير والاستمتاع بالزيارة من دون عجلة، فخصص له نصف يوم على الأقل. ويمكن بسهولة تحويله إلى يوم كامل بإضافة أسوار ماكارينا، والتوقف للغداء، وأخذ وقت مناسب للصلاة.
ابدأ من الخيرالدا: المئذنة السابقة الأشهر في إشبيلية
أفضل نقطة للبداية هي الخيرالدا، أحد أشهر معالم إشبيلية. واليوم ترتفع فوق كاتدرائية إشبيلية بوصفها برج أجراس، لكن قصتها بدأت بوظيفة مختلفة تماماً. فقد شُيّد الجزء السفلي من الخيرالدا أصلاً مئذنةً للجامع الكبير في إشبيلية في العصر الموحدي خلال القرن الثاني عشر. وحين تقف تحتها، حاول أن تستبعد ذهنياً الكاتدرائية الضخمة القائمة إلى جوارها، وأن تتخيل المكان في زمن الحكم الإسلامي، حين كانت المئذنة ترتفع فوق مجمع مسجد واسع في قلب إشبيلية الأندلسية. تأمل البرج عن قرب، وستصبح بصمته الإسلامية أوضح.
زخارف الآجر، وتكرار الأقواس، والأنماط الهندسية كلها سمات موحدية واضحة. وإذا سبق لك السفر إلى المغرب، فقد تلاحظ شبهاً بين الخيرالدا ومسجد الكتبية في مراكش. فكلاهما ينتمي إلى تقليد معماري أوسع، ورؤية هذه الصلات من أكثر ما يجعل الأندلس ممتعة للمسافر المسلم. فالأندلس لم تكن معزولة عن شمال أفريقيا؛ بل انتقل الناس والأفكار والعمارة والعلم باستمرار بين ضفتي البحر المتوسط.
كما أن صعود الخيرالدا ألطف من صعود برج أجراس تقليدي، لأن معظم الطريق إلى الأعلى يعتمد على منحدرات بدلاً من سلالم ضيقة. ومع ذلك يظل الصعود متعباً، خصوصاً في الطقس الحار، لكن الإطلالة تستحق الجهد. وكلما ارتفعت فوق المدينة القديمة شعرت بحجم الأهمية التي كان يتمتع بها هذا البرج. ومن الأعلى تمتد إشبيلية في كل الاتجاهات. إنها لحظة مناسبة لتخيل المدينة الوسيطة في الأسفل، بأسواقها ومساجدها وورشها وقصورها وبيوتها.
فناء البرتقال: جزء من المسجد القديم
بعد النزول من الخيرالدا، لا تتعجل مغادرة مجمع الكاتدرائية. خصص بعض الوقت لـ فناء البرتقال. فهذا الفناء الهادئ من الأجزاء الباقية من الجامع الكبير السابق، وهو يذكرنا بأن الخيرالدا لم تكن مبنى منفرداً، بل جزءاً من مجمع ديني أوسع بكثير. يبدو الفناء اليوم أندلسياً جداً بأشجار البرتقال والماء والظل، لكن مخططه يمنحك أيضاً لمحة عن طريقة تصميم أفنية المساجد. ففي العصر الإسلامي كان هذا المكان جزءاً من المسجد ومرتبطاً بالتهيؤ للصلاة.
وعلى الرغم من اختفاء معظم المبنى الأصلي، فإن اجتماع الأشجار والماء والفضاء المفتوح ما زال يمنح المكان سكينة واضحة وسط واحد من أكثر أجزاء إشبيلية ازدحاماً. وبالنسبة إلى المسافر المسلم، قد يكون هذا من أكثر محطات المسار تأملاً. فمن السهل تخيل المصلين وهم يدخلون المسجد قبل قرون، ويتجمعون في الفناء، ويستعدون للصلاة. وفي الوقت نفسه، من المهم تذكر أن الموقع اليوم جزء من مجمع كاتدرائية نشط. تاريخه الإسلامي بالغ الأهمية، لكن ينبغي زيارته باحترام لصفته الدينية الحالية.
اعبر إلى القصر الملكي الألكاثار
من الكاتدرائية لا يفصلك سوى مشي قصير عن القصر الملكي الألكاثار في إشبيلية، وهو من أجمل مباني المدينة وأكثرها تعقيداً من الناحية التاريخية. يصل كثير من الزوار وهم يتوقعون قصراً إسلامياً خالصاً، لكن الألكاثار يروي قصة أكثر تركيباً. تعود أصوله إلى العصر الإسلامي، حين أنشأ الحكام ووسعوا مجمعاً قصرياً محصناً في هذا الجزء من المدينة. ثم طوّره الموحدون لاحقاً، وما زالت بعض عناصر تلك المرحلة قائمة. بعد فتح قشتالة لإشبيلية سنة ١٢٤٨، ظل القصر مهماً. وواصل الملوك المسيحيون استخدامه وأضافوا إليه أجزاء جديدة على مدى القرون.
والمثير للاهتمام أنهم لم يكتفوا باستبدال التقاليد الفنية الإسلامية، بل استمروا في استخدامها في كثير من الحالات. فقد ظل الحرفيون المسلمون واللغات الزخرفية ذات الإلهام الإسلامي محل تقدير كبير، ولهذا فإن بعض الغرف التي تبدو اليوم الأكثر “إسلامية” شُيّدت في الواقع بعد انتهاء الحكم الإسلامي. وغالباً ما يوصف هذا الأسلوب بأنه مدجّن أو مودخار، وفهمه يجعل زيارة الألكاثار أكثر ثراءً. فبدلاً من النظر إلى القصر على أنه مسلم أو مسيحي فقط، من الأفضل رؤيته كمكان تتراكب فيه مراحل مختلفة من تاريخ إشبيلية. العمارة الإسلامية، والسلطة الملكية المسيحية، والتقاليد الفنية اللاحقة كلها تجاور بعضها بعضاً.
تمهّل داخل الألكاثار
الألكاثار من الأماكن التي يسهل أن تمشي فيها ملتقطاً مئات الصور ثم تكتشف أنك بالكاد نظرت حقاً إلى التفاصيل. لذلك تمهّل وركز على بعض العناصر التي تتكرر. فالماء حاضر في كل مكان، في البرك والنوافير والقنوات التي تلطف الأفنية والحدائق. وتغطي الزخارف الهندسية الجدران والأسقف بأنماط متكررة، بينما تؤطر الأقواس المناظر من غرفة إلى أخرى. وسترى أيضاً كتابات عربية في مواضع متعددة من القصر. والزخرفة العربية هنا مثيرة بصفة خاصة لأن ليس كلها من زمن الحكم الإسلامي. فقد طلب بعض الحكام المسيحيين اللاحقين تنفيذ كتابات وعناصر زخرفية على الطراز الإسلامي.
وهذه الحقيقة وحدها تكشف مدى استمرار قوة ومكانة اللغة الفنية الأندلسية حتى بعد تغير السلطة السياسية. وتستحق الحدائق أيضاً وقتاً كافياً. فهي واسعة وخضراء وأكثر هدوءاً من بعض غرف القصر. ويلعب الماء من جديد دوراً مركزياً، كما أن مزيج النوافير والأشجار والممرات المظللة يساعد على فهم أهمية الحدائق في حياة القصور بجنوب إسبانيا. خصص ساعة ونصف على الأقل للألكاثار، وساعتان أفضل إذا كنت تستمتع فعلاً بالعمارة والتاريخ.
ابحث عن المدينة الموحدية خارج المعالم الكبرى
بعد مغادرة الألكاثار قد تميل إلى التوجه مباشرة إلى حي سانتا كروث لتناول الغداء أو القهوة. لا بأس في ذلك، لكن إذا أردت فهم إشبيلية الإسلامية بصورة أعمق، فتابع نحو بقايا النظام الدفاعي الموحدي القديم. الخيرالدا والألكاثار مدهشان، لكنهما لم يكونا سوى جزء من مدينة إسلامية أكبر بكثير. أحاط الموحدون إشبيلية بشبكة واسعة من الأسوار والأبواب والأبراج. اختفى كثير منها مع توسع المدينة، لكن بعض الآثار ما زالت موجودة. ومن أسهلها مروراً من دون انتباه برج عبد العزيز قرب المركز التاريخي.
لا يجذب الحشود مثل الخيرالدا، لكنه من تلك الأماكن الصغيرة التي تجعل تاريخ المدينة فجأة أكثر واقعية. ومنه يمكنك المتابعة نحو برج الفضة، وهو جزء آخر باقٍ من تحصينات إشبيلية الوسيطة. وتستحق هذه الأبراج الصغيرة الزيارة لأنها تساعدك على تصور إشبيلية الأندلسية كمدينة حقيقية تعمل وتتحرك، لا كمجموعة من القصور الجميلة فقط. فقد احتاجت المدينة في العصور الوسطى إلى أسوار ومسارات دفاعية ومداخل مضبوطة مثل أي مدينة كبرى في عصرها. وحين تبدأ في ربط الخيرالدا والألكاثار والأبراج القديمة ذهنياً، يصبح مخطط المدينة الموحدية أسهل في التخيل.
اختم عند برج الذهب ونهر الوادي الكبير
من التحصينات القديمة تابع نحو النهر حتى تصل إلى برج الذهب، وهو من أفضل الأماكن لإنهاء جولة المشي. بناه الموحدون في أوائل القرن الثالث عشر كجزء من النظام الدفاعي لإشبيلية. وكان موقعه على ضفة الوادي الكبير بالغ الأهمية، لأن النهر كان يصل المدينة بطرق التجارة وبمناطق أخرى من الأندلس وبالعالم المتوسطي الأوسع. اليوم تبدو ضفة النهر هادئة ومحببة للمشاة وراكبي الدراجات والزوار الذين يلتقطون الصور، لكن هذا الجزء من المدينة كان استراتيجياً للغاية في العصور الوسطى. والوقوف هنا يساعد على فهم سبب قوة إشبيلية.
فلم تكن مركزاً سياسياً وثقافياً فقط، بل كانت مدينة ترتبط بالحركة والتجارة والنهر ارتباطاً وثيقاً. وهو أيضاً مكان جيد للراحة بعد ساعات من المشي. خذ شراباً، واجلس إلى جوار الوادي الكبير، وانظر من جديد نحو المدينة القديمة. عندها ستشعر غالباً أن الخيرالدا أصبحت مختلفة تماماً عن أول مرة رأيتها. لم تعد مجرد برج أجراس شهير؛ بل صارت جزءاً من مدينة موحدية واسعة كانت تمتد من الجامع الكبير ومجمع القصور إلى الأبراج الدفاعية على ضفة النهر.
الصلاة في إشبيلية للمسافر المسلم
لإشبيلية مجتمع مسلم نشط، لذلك يمكن العثور على مكان للصلاة مع قدر بسيط من التخطيط. ومن الخيارات المناسبة Fundación Mezquita de Sevilla، وهي قريبة نسبياً من المركز التاريخي وتقام فيها الصلوات اليومية وصلاة الجمعة. وهناك أيضاً Mezquita Al-Hidaya في منطقة ماكارينا. إذا كنت ترتب يومك حول أوقات الصلاة، فتحقق من المواقيت وإمكانية دخول المساجد قبل الانطلاق، خاصة أيام الجمعة وفي رمضان وحول العيد. ومن المهم أيضاً أن تتذكر أن الخيرالدا وفناء البرتقال لهما أصول إسلامية، لكنهما اليوم جزء من مجمع الكاتدرائية ولا ينبغي التعامل معهما كمكانين حاليين للصلاة الإسلامية. ويمكن تنظيم اليوم ببساطة عبر زيارة منطقة الكاتدرائية والألكاثار في الصباح، ثم التوقف للغداء والصلاة، ومواصلة الجولة بعد الظهر نحو الأبراج الموحدية القديمة والنهر.
إذا كان لديك وقت إضافي: امشِ بمحاذاة أسوار ماكارينا
إذا أردت رؤية مزيد من آثار إشبيلية الإسلامية، فاتجه شمالاً نحو أسوار ماكارينا. تضم هذه المنطقة واحداً من أفضل الأجزاء المحفوظة من الأسوار الدفاعية الوسيطة للمدينة، وتمنحك تصوراً أوضح كثيراً عن حجم المدينة القديمة المحصنة. جزء ماكارينا أقل فخامة وأقل درامية من الألكاثار، لكن هذا بالتحديد جزء من جاذبيته. فأنت لا تقف داخل قصر ملكي وسط حشود الزوار، بل تسير إلى جانب دفاعات مدينة حقيقية ساعدت في حماية إشبيلية الوسيطة. وإذا كنت تستمتع بتخيل شكل الأماكن قبل قرون، فهذه من أفضل نقاط المدينة لذلك. وأنت تمشي بمحاذاة السور، يمكنك أن تتخيل المسافرين وهم يقتربون من أبواب المدينة، والتجار وهم يصلون ببضائعهم، والحراس وهم يراقبون الطرق خارج الأسوار. حركة المرور الحديثة قد تجعل المشهد أقل سينمائية، لكن قليلاً من الخيال يكفي.
لماذا تستحق إشبيلية الإسلامية الاستكشاف
ما يجعل إشبيلية الإسلامية مثيرة إلى هذا الحد هو أن تاريخها لم يبقَ في صورة واحدة مرتبة وغير متغيرة. فقد أُعيد استخدامه وتكييفه والبناء فوقه طوال قرون. أصبحت الخيرالدا برج أجراس. وحلّت الكاتدرائية محل الجامع الكبير بينما بقي فناء المسجد ومئذنته. وتحولت القصور الإسلامية إلى مساكن للملوك المسيحيين. واستمرت الزخرفة العربية في الاستخدام بعد انتهاء الحكم الإسلامي، وصارت الأبراج الموحدية جزءاً من مخطط الشوارع الحديث. وبالنسبة إلى المسافر المسلم، يمكن أن يجعل هذا إشبيلية مدينة ذات معنى خاص.
فأنت لا تزور مجرد آثار قديمة؛ بل ترى أدلة على العمق الذي تركته الحضارة الإسلامية في عمارة جنوب إسبانيا وثقافته وهويته. بعض الآثار واضح، وبعضها يحتاج إلى نظرة أكثر انتباهاً. وهذه هي المتعة الحقيقية في السير عبر إشبيلية الإسلامية. ففي نهاية اليوم تبدأ المدينة في الظهور بشكل مختلف. لا تعود الخيرالدا مجرد برج مشهور. ولا يعود الألكاثار مجرد قصر جميل. ولا تبدو الأسوار القديمة كقطع حجر عشوائية على جوانب الطرق المزدحمة. ومعاً تكشف هذه العناصر عن ملامح إشبيلية الأندلسية، المدينة الإسلامية التي ما زالت حاضرة تحت إشبيلية الحديثة.
تخطط لزيارة إشبيلية؟ اقرأ دليلنا للمسافرين المسلمين في إشبيلية. →
هل ترغب في استكشاف المزيد من جنوب إسبانيا؟ اقرأ دليلنا الحلال للأندلس. ←

